تأملات عن الموت بقذيفة هاون/هنا دمشق

سام الشومري

دمشق أيلول 2012

من على تراس منزلي أستطيع بوضوح أن أتبين مواضع القصف العنيف الذي يتعرض له حي التضامن في دمشق، من المثير للسخرية أن كثيراً من القوانين الكونية تتأكد للمرء في الحرب مثلاً: الضوء أسرع من الصوت، يمكنني بجلاء أن أتبين موقع سقوط القذيفة أولاً وذلك عندما تضيء السماء ثم سأسمع خلال ثوان لاحقة صوتها الهادر.

أجلس بوجل مترقباً الحملة العسكرية التي من المفترض أن تترك حي التضامن “مطهراً” من أفراد الجيش الحر، عبودة يجلس إلى جانبي على التراس ويشرح لي باستفاضة آلية عمل سلاح الهاون: “في بوري، بحطوه بشكل مايل، بعدين بحطوا القذيفة بقلبو، بعدين بتسمع بووووووم، بعدين بموتوا العالم”، يغفل عبودة تفصيل صغير في غمرة درس العسكرية، تفصيل غاية في الأهمية “نسبة الخطأ”، إذ أن لقذيفة الهاون ثلاثة أهداف مفترضة، الهدف الأساسي حيث يضبط مؤشر القاذف وهو الهدف الذي سيتحمل حقد القذيفة الأزلي، أما الهدف الثاني فهو هدف هامش الخطأ وهنا تحديداً يقبع معظم السوريون من منطلق “يا غافل إلك الله”، أما الهدف الثالث (وهنا يختلف الفقهاء) فهو هدف القذيفة “المرطبة” ويبدأ من عند القاذف لينتهي بوصول القذيفة للهدف الأول لكن دون انفجار، هذا التصنيف لا يمت لعلم العسكرية بصلة إنه تصنيف من يحضرون للموت طبقاً يومياً ومع ذلك لازالوا يبتسمون عند سماع صفير القذيفة يشق سمائهم، لقد كتب لهم عمر جديد.

المهم أن عبودة أصبح يميز الهاون من المدفعية وصارت الطفولة بالنسبة له من الماضي الغابر.

بالعودة إلى التراس والإطلالة الخلابة على أعمدة الدخان المتصاعدة من حي التضامن، هكذا وبدون مقدمات قال جورج: “أخي ما عندي مشكلة مع الموت بس بخاف من الشظايا” راما وافقته الرأي بإيماءة “يا أخي الشظايا بتخوف”، تعددت الأسباب والموت واحد ولكن لسرعته أهمية هنا، الموت البطيء بشظية قد تخلف عاهة إن لم تقتل يرعب راما، تحدق بدهشة بأعمدة الدخان المتصاعد وتردد بخوف: “كلشي إلا الشظايا”.

يكتمل المشهد من عل، ويصبح بمقدورنا أن نميز المناطق المستهدفة، من الشرق  الأهداف الأساسية أي التضامن وخلفها يلدا وببيلا، أما من الغرب فحي القدم والعسالي وتوابعهما، بضع “أهداف هامش خطأ” هنا في مخيم اليرموك حيث تبدو الحياة على أشدها حيناً وعلى هامش الموت أحياناً أخرى.

تصفر قذيفة ما وتعبر من فوق رأسي، أبتسم، إنها ليست من نصيبي

تخفض راما رأسها بشكل لا إرادي

فيما يبقى جورج منتصباً ولا يهتم للموت العابر تراسنا

هنا دمشق

 

 

 

حاكيني وخود الغلة !

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s