عندما يصبح ملح الدموع سكر الإعلام

السيدات اللواتي يتشحن بالسواد، وجوهن حزينة وقلوبهن تعطي الكاميرا والمخرج تماماً ما يريدان، لا يحلم أي مخرج في العالم بأكثر من مشهد خالي من كوليسترول الاصطناع، أعتقد أن القائمين على عملية التصوير تلك في ذاك اليوم كانوا سعداء جداً،
أدت أسماء الأسد دورها ببراعة مطلقة، خرجت من الإطار المعتاد لدور السيدة الأولى في الوقوف منتصبة مع أقل قدر ممكن من الحركات اللامعتادة، فكانت تتحرك بحرية مطلقة وكأنها خارج استقبال رسمي، حركت يديها، مشيتها، تعابير وجهها، كل شيء في أسماء الأسد كان يتماشى مع المناسبة ويتماشى مع بساطة جمهورها “الشعبي” بالمحصلة كل الأولاد الذين ماتوا ليسوا من المالكي وحتماً ليسوا أولاد صديقاتها.

السيدة التي تبكي خلف أسماء وهي تلقي كلمتها، تجعل المشهد أقرب لنا جميعاً
محجبات وسافرات، مسنات وأقل سناً

يخرج المصور أسماء الأسد من كادر الكلمة عندما تقول: “أولادكم يعايدون سوريا لأنها الأم” ويضع في الكادر سيدة سبعينية مقعدة بوجه ملئ بالتجاعيد وحطة رأس قروية، سيدة تمثل أيقونة المجتمع السوري الريفي وتخاطب لاوعي الجمهور. هذه السيدة أيضاً بملامحها الباردة والحزينة ربما لأنها فقدت ابناً أو اثنين أوخمسة تكمل حميمية المشهد وقربه من السوري الفقير –العلوي تحديداً- الذي يموت من أجل الأسد، تنكسر نظرات السيدة أمام الكاميرا، وأسماء في الخلفية تقول: “مو بيقولوا مافي أغلى من الولد إلا ولد الولد”، فتومئ الحجة برأسها إيجاباً، وتعود الكاميرا لتملأ كادرها بحضور السيدة الأولى ولتخاطب الحضور بكلمات بطيئة جداً ومتأنية مفتتحة الجمل بضمير المتكلم: (“أنا” بعرف أنو في منكون بعت الولد وولد الولد، بعرف إنو في منكون ضابين غراض أحفادهون بإيديهون وهنن رايحين يطوعوا”) تهز السيدات برؤوسهن ايجاباً. وتتابع أسماء الأسد خطابها المكتوب بعناية تخاطب حضورها “القروي/ الشعبوي” فيما تتصاعد أصوات سيدات في الخلف: “فدا الوطن”.

تصعد الكاميرا للأعلى، لتجعل أسماء الأسد تبدو فرداً من الحشد لا سيدة أولى وهي تقول: “بوقفتكون هي إنتو مثل لإلي”، الخطاب المليء بالإنشاء الشعري والأداء المتميز لأسماء الأسد يرافقه حركات من يديها هنا وهنالك، فتمسح كتف السيدة التي بقربها وتقول: “كل سنة متل هلق ببلش الربيع (عيد الأم) هالسنة انتو الربيع…..صحي الولد غالي بس الوطن أغلى”

من الواضح بالفيديو أن لكنة أسماء الأسد كانت دمشقية بامتياز وطبيعية أيضاً، تتصاعد وتيرة التفاؤل بالخطاب لتصل لعنوان الحدث: “بروحك تحمي الياسمين”، وتضيف السيدة الأولى أنواع أخرى من الزهور !!!!

يختتم المخرج الفيديو أيضاً بوجه السيدة السبعينية ذات التجاعيد وغطاء الرأس التقليدي مبتسمة بشكل خفيف، بعد جملة أسماء الختامية: “سوريا إم الكل….وإذا كل الإمهات متلكون فكل سنة رح تكوني بخير”، تمسح هذه السيدة على رأس أسماء الأسد التي جلست القرفصاء لتبلغها السيدة المقعدة، تهتز الكاميرا بشكل خفيف وكأنها فرد من الجمع ويقترب المخرج بحميمة من اسماء، لقطة قريبة لوجهها، ليديها وهما تمسحان على قدما السيدة المقعدة، تتصاعد شعبوية المشهد وبساطته، يجعلني أتوقف عن الكتابة لأرى موهبة السيدة الأولى في التعاطي مع الحشد، يتوالين السيدات لتقبيل السيدة الأولى فيحافظ المخرج على حركة الكاميرا البطيئة جداً، والأقرب للجمود فيعطي انطباعاً باستمرارية اللحظة وحميميتها ويملىء حس المشهد البصري بتواضع الأسد وقربها من المجموع.

يتعدى الأمر الكلمات والارتجال الرنان من السيدة الأولى لتقف على رأس البوفيه وتبدأ بسكب الطعام لأمهات الشهداء، لا بل وتملىء صحن إحداهن بكرم فتطلب منها الأخيرة التوقف عن السكب، تنهض السيدة الأولى لاحقاً من خلف طاولتها لتتأكد من رضا ضيوفها عن الطعام والوضع فترافقها الكاميرا بشكل دائري من لحظة وقوفها إلى أن تصل إلى الطرف الآخر من القاعة حيث تدعو أطفال الكورال للانضمام للمأدبة.

يختتم الفيديو بصورة جماعية تظهر السيدات البسيطات، تقف في وسطهم أسماء الأسد مع نصف ابتسامة. ثم يختم المخرج عمله البديع بلقطة جزئية من نافذة القصر الجمهوري تظهر أبنية الأحياء المجاورة “مشروع دمر” ثم جزء من قاسيون وأخيراً “ضريح الجندي المجهول” على وقع أنغام النشيد الوطني، وفجأة يرتفع صوت الأطفال ” فلم لا نسود ولم لا نشيد “
في الختام، نحمد الله أنه لم تنجز جميع أعمال التلفيزيون السوري بهذا التميز ! وإلا كنا اضظررنا أن نضاعف جهودنا في العمل المضاد !

One thought on “عندما يصبح ملح الدموع سكر الإعلام

حاكيني وخود الغلة !

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s